فصل: باب: ما يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ لا وَصِيَّةَ لِوَارِث

وهذا الحديثُ ضعيفٌ باتفاق، مع ثبوت حُكْمه بالإِجماع، ولذا أخرجه المصنِّف في ترجمته، وإلا فإِنْه لا يأتي بالأحاديث الضَّعاف مِثْله، ثم لم يعبِّر عنه بالحديث، على ما عرفت من دَأبه، فيما مرّ، وبَحَث فيه ابنُ القَطَّان أن الحديثَ الضعيف إذا انعقد عليه الإِجماع هل ينقلب صحيحًا أَم لا‏؟‏ والمشهور الآن عند المحدِّثين أنه يبقى على حاله، والعُمْدة عنده في هذا الباب هو حال الإِسناد فقط، فلا يَحْكُمون بالصِّحة على حديثٍ راوٍ ضعيفٌ، وذهب بعضُهم إلى أن الحديثَ إذا تأيَّد بالعملِ ارتقى من حال الضَّعْف إلى مرتبة القبول‏.‏

قلت‏:‏ وهو الأَوْجَهُ عندي، وإن كَبُر على المشغوفِين بالإِسناد‏.‏ فإِني قد بلوت حالَهم في تَجَازُفِهم، وتسامحهم، وتماكُسِهم بهذا الباب أيضًا‏.‏ واعتبارُ الواقع عندي أولى مِن المَشْي على القواعد‏.‏ وإنَّما القواعدُ للفَصْل فيما لم يَنْكشِف أمرُه من الخارج على وَجْهِه، فاتِّباع الواقِع أَوْلى، والتمسُّك به أَحْرَى‏.‏

باب‏:‏ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْت

2748- قوله‏:‏ ‏(‏قُلت‏:‏ لفُلانٍ كذا، ولفُلان كذا، وقد كانَ لِفُلان‏)‏ يعني أنك تُوصِي المال لواحدٍ، والشَّرْع يعطِيه لآخر، أو معناه أنه صار لفُلانٍ قبل إيصائك له‏.‏ وهذا الاختلافُ يُبني على أن النَّكِره إذا أُعِيدت نكرةً، فهل تكونُ غيَر الأُلى أَم عَيْنَها‏؟‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ‏}‏

فالدَّيْن يقدَّمُ في الأَداء، وإنْ تأخَّر ذِكْرًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويُذْكَرُ أن شُرَيحًا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ أجازوا إقرار المريض بدَيْن، وإقراره إنَّما يُعتبر عندنا إذا كان سَبَبُهُ معروفًا، وإلا لا‏.‏ وراجع مسائله في «الهداية»‏.‏

قوله‏:‏ وقال الحسنُ‏:‏ أَحَقُّ ما يقصد به الرجل آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة‏)‏ يعني إذا لم يُعتبر إقراره، وقد بلغت الروحُ فمتى يُعتبر به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال إبراهيم والحَكَمُ‏:‏ إذا أَبْرأَ الوَارِثَ من الدَّيْنِ بَرِيءَ‏)‏ وفيه تصيلٌ في قِقْهنا‏.‏

وعلم أن أصحابنا اختلفوا في الإِقرار أنه إِخْبَار، إو إنشاء‏؟‏ وثمرةُ الخِلاف تظهَرُ فيما ‏(‏إِذا‏)‏ عَلِم المُقَرُّ له، أَنَّ المِقرَّ لم يُقِرُّ له بشيءِ في الخارج، فإِنَّ كان إِخْبارًا لا يحِلُ له أَخْذُ المال المُقَرِّ به ديانةً وإنْ حَك2 القاضي، وإنْ كان إنشاءً جاز له أَخْذُه‏.‏ وقال في «الدر المختار»‏:‏ إنه إنشاءٌ مِن وَجْه، وإخبارٌ من وَجْه‏.‏ وهذا التقسيمُ اعتبره الفقهاءُ ولا يعرِفه النُّحاةُ، إلا أَنَّ عبد القاهر، والزُّمخّشَرِي اختلفا في أن المتكلم إذا تكلم بالحمد لله، وأراد به إنشاء الحمد، فهل يخرج هذا الكلام من نوعه أم لا‏؟‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أَنْ لا تُكْشَفَ‏)‏، أي لا تفتش‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كُنت أَعْتَقْقُك‏)‏‏.‏‏.‏الخ فهذا إِخْبار، ويصدق به؛

وقوله‏:‏ ‏(‏قال بعضُ الناس‏:‏ لا يجوزُ إقْرَارُهُ لسوءِ الظَّن به‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ فنقل أولا القطعيات التي تدلُّ على عبرة إقرار المريض، ثُم توجَّه إلى الإِيراد على الحنفية، فقال‏:‏ إنَّ بَعْضَ الناس يُسيءُ الظنَّ برجل على شرف الرحيل، ولا يظن بأَحدٍ أنه يكذِب في مِثْل هذا الموطن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم استحسن، فقال‏:‏ يجوزُ إقرارُه بالودِيعة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ يعني نفي أولا إقراره، ثُم جعل يَسْتثني منه، لما لاح له دلائلُ خاصَّةٌ، وموانع جزئية‏.‏ وحاصلُ إيرادَه أمران‏:‏ الأوَّل أن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم نهى عن سوءِ الظنِّ، ولم يعمل به أبو حنيفة، فلم يَنْفُذ إقراره لسوءِ الظنِّ به؛ والثاني أَنَّ الله تعالى أمر أن تُؤدَّى الأماناتُ إلى أهلها، فوجب أن تردّ أمانةُ المقرِّ له إليه‏.‏ ولو لم تعتبر إقرارَه، يلزم مَنْعُ الأمانة عن صاحبها، وركوبُ حقوقِ المسلمين على رقبته من أجل إقراره، ومِنْعاها عنهم، ولا يحِلّ له ذلك‏.‏

قلنا‏:‏ إنَّك قد عَلِمت أن الإِقَرار إذا كان سبَبُه معلومًا، فهو مُعتَبرٌ عندنات أيضًا، ولا مناقضةَ بعبرةِ الوَدِيعة وغيرِها، فإِنَّ الويعةَ ليست من الإِقرار في شيء‏.‏ فإِنها ليست تمليكًا جديدًا‏.‏ بَقيت المضارَبةُ، فليست من الإِقرار المعروف‏.‏ أما الجوابُ عن الأَمْر الأَوَّل‏.‏ فنقول‏:‏ إنَّ الحديثَ مَحَلُّه فيما إذا كانَ إساءةُ الظنِّ بلا وَجْه، أما إذا كان مَوْضِعَ رَيْبٍ وريبةٍ، ففيه قوله‏:‏ «اتفقوا مواضِعَ التُّهَم»‏.‏ وأما الجوابِ عن الأَمْر الثاني فنقول‏:‏ إنَّا نلاحِظُ حقَّ الوَرَثة أيضًا؛ فأنتم نظرتُم إلى حَقِّ المُقرِّ له، ونحنُ نَظَرْنا إلى حقِّ الوَرَثة، فلزم عليكم تَرْكُ النَّظَرِ حقَّ الوَرَثة كما ألزمتُم علينا تَرْكَ النَّطَر إلى حقِّ المُقرِّ له؛ وأما الجوابُ عن الآيةِ فبأنَّها خارجةُ عن مَوْرِد النِّزاع، لأنه لا كلامَ في ردِّ الأمانات، وإنم الكلام في إقرارِه‏.‏

ولنا أن نقولَ أيضًا‏:‏ إن حقَّ الورَثةِ لِما تعلَّق أن الإِمامَ الهُمام نَظَر إلى أَنَّ الأماناتِ والودائعَ إخبارٌ بأَمْرٍ ماضٍ، فإِذا أَخْبر به سلمنا قوله، ولم نكذبه، بخلافِ الإِقرار، فإِنَّه إنشاءٌ من وَجْه، فَوَسِع لنا أن لا تُنْفِذه بظهورِ حقِّ الوَرَثة؛ فنظرنا إلى أَنَّ حفاظةَ حقِّ الورثة أَقْدَمُ من حفاظةِ حقِّ الغير، ونظر المصنِّف بالعكس‏.‏

فائدة‏:‏‏(‏تعريف الاستحسان‏)‏

واعلم أنَّ المشهورَ في تعريف الاستحسان أنه قِياسُ خفيُّ، وحقَّقَ الشيخُ ابنُ الهُمام أنه ما خالِف القِياسَ الجليِّ، سواء كان قياسًا خفيًا، أو نَصًّا، أو غير ذلك؛ ولا ينبغي القَصْر على القِياس الخفي، فإِنَّ الاستحسان قد يكون بالنصِّ أيضًا‏.‏

فائدة أخرى

واعلم أن المُجتَهِدين لم يكونوا برآءَ من الغَلَظ، فاحتوى عِلْمُهِم على الصوابِ والخطأ من الأَصْل؛ نعم كانت علومُ الأنبياء عليهم السلام صِدْقًا مَحْضًا، لا تشوبُها رائحةٌ من الكِذب، لكنَّ الرِّزِيَّة، حيثُ لم تِنْقل إلينا على طرفتها، واختَلَط فيها الرواةُ، كما قيل‏.‏

هم نقلوا عني الذي لم أفه به *** وما آفةُ الأَخْبارِ إلا رُوَاتُها

ولكنَّ اللهاَ تعالى خَلَق أقوامًا بيَّنُوا أغلاطَهم، ونبهوا على أوهامهم‏.‏ فيمزوا المخيض عن الرغوة، فجزاهم الله تعالى خيرًا، ولولاهم لبقينا في ظُلْمةٍ وحَيْرَة‏.‏

باب‏:‏ تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ‏}‏‏(‏النساء‏:‏ 12‏)‏

وهي المسألةُ عندنا‏.‏

2750- قوله‏:‏ ‏(‏بِسَخَاوَةِ نَفْس‏)‏ وقد مرَّ أن السَّخَاوة كما تكونُ في الإِعطاء، كذلك تكون في الأَخْذ أيضًا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصى لأَقارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِب

باب‏:‏ هَل يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالوَلَدُ فِي الأَقارِب

شَرَع المصنِّف في مسائل بالوَقْف، ووافقِ في أكثرِ مسائله صاحِبي أبي حنيفة، وذلك لأنَّه جَعَل الاساسَ «كتاب» محمد بن عبد اللهاِ الأَنْصاري الذي صَنَّفه في مسائل الوَقْف، والأَنْصاري هذا من أرشدِ تلامِذةِ زُفَر، لازمه إلى أَنْ تُوفيّ، وإنما يُقال له‏:‏ الأنصاري لكونِه في السِّبْط السادس من أَنس بن مالك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أَوْصَى لأَقارِبه‏)‏ أي أوصى بهذا اللفظ‏.‏ ثُم جرى النزاع في تعيين ما صَدُقِ الأقارب مَنْ هم‏؟‏ قلت‏:‏ وهذا مما لا يمكن تَعْيينه، لأنه مُخْتَلِفٌ باختلاف العَصْر، وكان العُرْف في عَصْر أبي حنيفة بإِطلاقه على كلِّ ذي رَحِم مَحْر2‏.‏ وراجِع «الهامش»، فإِنَّه أَنْفعُ جِدًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال أَنْصاريُّ‏)‏‏.‏‏.‏الخ والأنصاريُّ هذا هو محمدُ بن عبد الله الأنصاري‏.‏ وكان يقولُ بجواز وَقْف الروبية أيضًا، بأن يُحْبَس أَصْلها، وتُنْفَق بِمَنْفَعَتِها، فَوَقْفُ النَّقْد صحِيحٌ عنده، وكان عليه العملُ في القسطنطينية‏.‏ هكذا في «العَالْمِكِيرية» عن الأنصاريِّ، ولم يُدْرِكه بَعْضُهم مَن هو، قلت‏:‏ هو هذا ثُمَّ إنَّ المصنِّف ذَكعر بَعْضعه نسب حسان، وأبي طلحة لتظهِرَ قرابتُهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهُو الأَبُ الثَّالِثُ‏)‏ أي حَرَام بن عَمْرو‏.‏

قوله‏:‏ وحَرَام بن عَمْرو‏.‏ إلى قوله‏:‏ النَّجَّار‏)‏ هذه العبارةُ زائدةٌ في بعض النُّسَخ ولا طائل تحتها، كما في الهامش‏.‏

قوله‏:‏ وقال بَعْضُهم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهو أبو يوسف، والظاهر أَنَّه وَافَقَه‏.‏ فليس المرادُ من «بعض الناس» أبا حنيفةَ دائمًا، ولا أنه للردِّ دائمًا، كما عَلِمته مِن قبل‏.‏

باب‏:‏ هَل يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِه

ويجوزُ الانتفاعُ به عندنا أيضًا‏.‏ وأخرج المصنِّفُ تحت حديثَ رُكوب الهَدْي، ومعلومٌ أن الهدى غير الوقف، ولكنَّ المصنِّف لا يُبالي بهذه الفروقِ، ويستشهِدُ من أحدِ البابين على الآخر‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَقَفَ شَيئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيرِهِ فَهُوَ جائِز

ومحطُّه أنَّ الوَقْف هل يَتِم بدون تسلِيمِه إلى مُتَوَلِّي أم لا‏؟‏

ففيه خلاف بين أبي يوسِف، ومحمد‏:‏ فقال أبو يُوسف‏:‏ إن يَتِم وإن لم يُسلِّمه إلى متوليِّ، لأنه كالإِعتاق عنده، بجامع أَنَّ المِلْك فيهما يزول لا إلى مالك‏.‏ وقال محمد‏:‏ لا يَتِم بدونه، لأنه تَصَدُّقٌ، فلا بد مِن القبض‏.‏ وتفصيله أَنَّ أَصْل الخلافِ في معنى الوَقْف، ففهِم أبو يوسف‏.‏ أنه اسمٌ لِرَفْع علائق المالكية، ونظيرُه موجودٌ في الشَّرْع، وهو الإِعتاق، وذِهَب محمدٌ إلى أَنَّ رَفْع المِلْك لا إلى مالك مما لا نظيلرَ له في الشَّرْع، نعم فيه تحويلُ شيء مِنْ مِلك إلى مِلْك، كالصدقة، والهبة، فيكون أقرب إليه، فجعله في حُكْم التصدُّق، واختلف في الفَتْوى، وكذا في تصحِيحه، واخترنا مذهبَ أبي يوسفِ، واختبار المصنف أيضًا مذهب أبي يوسف‏.‏

وإنَّما لم يُعَرِّج ههنا إلى مسائل الشافعي، لما عَلِمت أَنَّه أَخذ مسائلَ هذا البابِ من كتاب الأنصاريِّ، أما مسائلُ أبي حنيفةَ، فَقلَّت في هذا الباب، لكون حقيقةِ الوَقْف يسيرةَ عنده، على ما علمته‏.‏ ويُستفاد من عبارةِ المصنِّف الآتية أنَّه تَوَجَّه فيه إلى مسألةٍ أَخْرى، وهي أنه هل يتولى الوَقْفَ بنفسِه، أَم يُولِّي عليه غيَره‏؟‏ والله تعالى أعلم‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قالَ‏:‏ دَارِي صَدَقَةٌ لِلَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلفُقَرَاءِ أَوْ غَيرِهِمْ، فَهُوَ جائِزٌ وَيَضَعُهَا في الأَقْرَبِينَ أَوْ حَيثُ أَرَاد

باب‏:‏ إِذَا قالَ‏:‏ أَرْضِي أَوْ بُسْتَانِي صَدَقَةٌ عَنْ أُمِّي فَهُوَ جائِزٌ،وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذلِك

يعني أنه لا يُشترط لتماميةِ الوَقْف بيانُ المصارِف‏.‏ وهو مذهب أبي يوسف، واختاره المصنِّف أيضًا خلافًا لمحمد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال بَعْضُهم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، أرادَ به مُحَمَّدًا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا تَصَدَّقَ، أَوْ أَوْقَفَ بَعْضَ مالِهِ، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِهِ، أَوْ دَوَابِّهِ، فَهُوَ جائِز

عَطْفُ على وَقْف المُشاع، وقد وسع‏.‏ قيل‏:‏ ذلك في هِبةِ المشاع أيضًا‏.‏ والمسألةُ فيه عندنا أَنَّ الواقف إنْ كان حَيًّا يُستفسر عنه‏.‏ أما قوله‏:‏ «إنَّ مِن توبتي أن أنخلِعَ من مالي صدقةً إلى اللهاِ ورسولِه»، فإنَّما يَصْلُح حُجَّةً للمصنِّف، لو كان قاله على طريقِ الوَقف، وإن كان على طريقِ الاستشارةِ، فلا حُجَّةَ له فيه‏.‏

باب‏:‏ مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ، ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إِلَيه

2758- قوله‏:‏ ‏(‏قد قِبَلْناه مِنِك، وَرَدَدْناه عليك، فاجْعَلْه في أَقْربين‏)‏ وفيه الترجمةُ‏.‏

2758- قوله‏:‏ ‏(‏وباع حَسَّانُ حِصَّتَه‏)‏ أي بَعْدَهِ بِزَمنً‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى وَاليَتَامى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِنْهُ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 8‏)‏

والحُكْم فيه استجبابيُّ‏.‏

باب‏:‏ ما يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنِ المَيِّت

يعني أنَّ أداءَ الدُّيونِ والتصدُّقِ وغيرِها، كلّها مُعْتبرٌ عنِ الميتِ‏.‏

باب‏:‏ الإِشْهَادِ في الوَقْفِ وَالصَّدَقَة

لا ريبَ في كونه مفيدًا، وإن صحَّ بدونه أيضًا‏.‏ أما النكاح، فإِنَّ الإِشهادَ يُشْترطُ لانعقادِه أيضًا، يخلاف سائرِ العُقود‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَءاتُواْ الْيَتَمَى أَمْولَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْولَهُمْ إِلَى أَمْولِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً وَإِنْ خِفتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتَامى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ‏}‏‏,‏وَإِنْ خِفتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتَامى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ‏(‏النساء‏:‏ 2، 3‏)‏

واعلم أَنهم اختلفوا في التَّبدّل، والتَّبديل، والإِبدال، والاستبدال، ما يكونُ فيه المتروكُ، وما يكونُ المأخوذ‏؟‏ والمتروكُ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تَتَبدَّلُوا الخَبِيثَ بالضيِّب‏}‏ ‏(‏النِّساء‏:‏ 2‏)‏ الخَبِيثُ، والمأخوذُ الطيِّب‏.‏ وراجع الفَرْق فيه في «شَرْح الإِحياء» من التنبيه في الظاءَ، والضاد، وهو مهم، لأنه يُحتاج إليه في مواضع من تفسير القرآن‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 10‏)‏

باب‏:‏ وَما لِلوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ في مالِ اليَتِيمِ، وَما يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِه

قوله‏:‏ ‏(‏ما للوِصيِّ انْ يعْملَ في مالِ اليَتِيم، وما يَأْكُلُ منه بِقَدْر عُمَالَتِهِ‏)‏ أي بطريقِ التجارة‏.‏ وهذا أصلً، لِما كان أبو يوسف يَفْعَلُه في أموال اليتامى، وقد بلغ ثبوتُه من الحديثِ إلى القرآنِ وقد قَرَّرناه سابقًا، فمن اعترض عليه، فمِن سوءِ ديانتِه، وقِلَّة عِلْمه‏.‏

2764- قوله‏:‏ ‏(‏تَصَدَّق بأَصْلِهِ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، ولعلَ الراوي قَدَّم فيه وأَخَّر، فورد الحديثُ على الحنفيةِ لدلالتِه على أن الوَقف يَخْرج عن مِلك الواقف‏.‏ والترتيبُ الصحيحُ ما عند الترمذي، قال‏:‏ فإِنْ شِئت حَبَسْت أَصْلَها، وتَصَدَّقت بها‏.‏ فتصدَّق بها عُمُر‏:‏ أنها لا يُباعُ أَصْلُها، ولا يُوهَب، ولا يُورَثُ‏.‏‏.‏الخ‏.‏ وهذا عينُ مذهبِ الحنفية، أي حَبْسُ الأَصْل والتصدُّق بالمَنْفعةِ، فكانت هذه الألفاظُ من كلام عمَر، ونقله الراوي في كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْولَ الْيَتَمَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 10‏)‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 220‏)‏

2766- قوله‏:‏ ‏(‏الشِّرْكُ بالله‏)‏ وهو مِن الكبائرِ‏.‏

تعريف الكبيرة

واعلم أنهم اختلفوا في تعديد الكبائر، وتحديدها، والظاهر أن ما جاء الوعيد عليها في القاطع، أو ما ثَبَت بقياسِ المجتهد على القاطع، فكلُّها كبائرُ‏.‏

فائدة ‏(‏حول تعريف الفرض‏)‏

واعلم أنه سبق إلى بَعْض الأوهام أن الفَرْض لا يَثْبُت إلا بالقطعيِّ، وليس بصحيح فإِنَّ الفَرْض كما يَثْبُت بالقطعي، كذلك يَثْبت بالظنِّي، حتى بِالقياس أيضًا؛ فيجوزُ للمجتهد أن يقول‏:‏ إن هذا الجزءَ مِثْلُ هذا الجزءِ المنصوص عندي، فيكون فرْضًا مِثْلَه، إلا أَنَّ الفَرْق بين الفَرْضَيْن‏:‏ أَنَّ الفَرْضَ الثابِتَ بالقاطع يكونُ قَطْعيًا، والثابِتَ بالقياس، أو بظنِّي آخر يكون ظنيًا‏.‏ وذلك لأنَّهم قَسَموا ما ثبت بالكتابِ إلى أقسام، وهو قطعيٌّ قَطْعًا، ثُم قالوا‏:‏ إنَّ كلَّ ما ثبتِ بالكتاب يثبت بسائر الأدلة أيضًا، فاكتفوا بالإِجمال عن التفصي، فاشتَبه الأَمْرُ على بعضهم، وزعم أَنَّ الفَرْض لا يَثْبُت إلا بالقاطع، حتى أَنَّه عَرَّف الفَرْض بما يكون ثابتًا بالقاطع، مع أنه تعريفٌ للقطعيِّ منه، لا مطلقًا، فإِنَّه قد يكونُ ظنيًا أيضًا، وذا يَثْبُت من الظبيِّ‏.‏

2767- قوله‏:‏ ‏(‏وكان ابنُ سِيرين‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وفي «الكنز» أنه يجعل الوصيّ الجَدَّ وَوَصِيّه، والقاضي وَوَصِيّه، وقد تكون الأمُ أيضًا وصيًّا، فيجوز فهم التصرُّفُ فَحَسْب‏.‏

حكاية

رُوي أن تلميذًا من تلامذةِ محمدٍ مات، وكان معه في سفر، فباع محمدٌ مالَه، وكَفَّنه فيه‏.‏ فقال له النَّاسُ‏:‏ كيف فَعَلْت، ولم يأذن لك القاضي‏؟‏ فتلا محمدُ بنُ الحسن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 22‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ هذا لم يكن من باب الفقه، بل كان عملا بالدِّيانة، كما قال هؤلاء السَّلَفُ‏:‏ أن يجتَمِع إليه نُصحاؤه، ثم لينظروا في الذي هو خَيْر‏.‏

باب‏:‏ اسْتِخْدَامِ اليَتِيمِ في السَّفرِ وَالحَضَرِ، إِذَا كانَ صَلاحًا لَهُ،وَنَظَرِ الأُمِّ أَوْ زَوْجِهَا لِليَتِيم

أما نَظُرُ الأُم فمذكورٌ في الفقه أيضًا‏.‏ وأما نَظَرُ زوجها سوتيلا باب فلم يذكر فيه، ولكن إذا لم يتهمه أَهُلُ المحلة، ورأواه ناصحًا له، فلا بأس به عند عَدِم التقاضي‏.‏ ألا ترى أن محمدًا أيضًا رَاعى هذا الباب، مع كونِه باني الفقْه، ومؤسِّسًا له‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ فَهُوَ جائزٌ، وَكَذلِكَ الصَّدَقَة

وإنما أَجازه المصنِّف، لأنه نَظَر إلى الواقف أنه وإنْ أَبهم الحُدودَ في الحالة الراهنة لكنه يُبَيِّنُها عن قريبٍ عند إجرائه، فيزول الإِبهام‏.‏ وأما عند فقهائنا فَتَعْيينُ الحدودِ ضروريٌّ‏.‏

قلت‏:‏ وهذا إذا لم تكن الأَرْضُ معروفةًت، أما إذا كانت معروفةً بحدُودِها وأطرافِها، فلا حاجة إليه‏.‏ ولما كانت بَيْرَ حَاء مُسمّى مُعَيّنًا في الخارج، لم يَرِد علينا الحديثُ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَوْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جائز

واعلم أن وَقْف المُشاع لا يجوز عند أبي يوسف، ولا عند محمد؛ غير أَنَّ أبا يوسف تَحَمَّل الشيوع أولا، وأوجب عليه التقسيمَ آخِرًا، وأما محمدٌ فلمَّا كان الوَقْفَ عنده في حُكْم الصدقة، لم يتحملهُ مُطلقًا، بقي الحديث، فالوَقْفُ فيه وإن كان في المُشاع لكنه المسجد‏.‏ وهذا يَنْفُذ اتفاقًا، ونتقل إلى مِلْك الله تعالى اتفاقًا‏.‏

باب‏:‏ الوَقْفِ كَيفَ يُكْتَبُ‏؟‏

ولما كان الوَقْف معاملةً دائمةً، ناسب لها الكتابة‏.‏

ثُم اعلم أَني ما رأيتُ وَقْفًا من الأَوقاف إلا وقد تسلَّط علي الناسُ بعد بُرْهة، حتى أوقاف الأنبياء عليهم السلام، لا تجدها اليوم اسمًا، ولا رسمًا‏.‏ كيف ومكَّة شرَّفها اللهاُ تعالى، وُقِفَت نحو عشرة مرات، ثُم الناس تغلبوا عليها، فما بالُ سائرِ الأَوْقاف‏؟‏

باب‏:‏ الوَقْفِ لِلغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَالضَّيف

باب‏:‏ وَقْفِ الأَرْضِ لِلمَسْجِد

يعني أن الوقف ليس صدقةً مْحْضةً، فيجوز أن تُصْرَفَ عَنَّه إلى الأغنياء أيضًا، وفي «الهداية»‏:‏ إن التصدُّق على الغنيِّ هبةٌ، والهِبَةَ للفقير تَصدُّق‏.‏

باب‏:‏ وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالكُرَاعِ وَالعُرُوضِ وَالصَّامِت

باب‏:‏ نَفَقَةِ القَيِّمِ لِلوَقْف

واعلم أنَّ وَقْفَ المَنْقول لا يَصِحُّ على أصل المذهب، وأجازه محمدٌ فيما تَعَارَفَهُ النَّاسُ، بقي حديثُ تَصَدُّقِ عمرَ بِفرَسه، فهو في التصدُّقِ دون الوَقْف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الزُّهْريُّ‏:‏ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دينارٍ في سبيلِ اللهاِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهي المسألةُ التي نَقَلْتُها من الأَنْصاري، أمن جواز وَقْف النَّقْد، كما مرَّ، ولمالم يَعْرِفه الناسُ حكموا بكونِه مجهولا‏.‏ قلت‏:‏ سبحان الله كيف، وهو تلميذُ زُفَر، وشَيخٌ للبخاري‏؟‏‏.‏

2776- قوله‏:‏ ‏(‏ما تَركْتُ بعد نفقِة نسائي، ومَؤنَةِ عاملي، فَهُو صَدَقة‏)‏، فَرَّق بينَ النفقةِ، والمؤُنة؛ فاستعمل لَفْ النفقةِ في نسائهِ، والمؤُنة في عامليه، لأن المَؤنة ما يُنْفَق، ويُعْطَى على قدْر العمل، بخلافِ النَّفقة، فإِنَّ لا يُلاحظ فيها ذلك، فهي أوسعُ، والمؤنة أَضيقُ، وترجمتهالاكت‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا، وَاشْتَرَطَ لِنَفسِهِ مِثْلَ دِلاءِ المُسْلِمِين

باب‏:‏ إِذَا قالَ الوَاقِفُ‏:‏ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ جائِز

يعني يَصِحُّ أن يَشْترِط الوَاقِفُ، ولم يَذْكُر نَفْسَه في اللفظ، ونوى به، ينبغي أن يكون صحيحًا‏.‏ وذلك لأنهم اختلفوا في باب الأَيْمان، أنه هل يُعتبرُ التَّخصِيصُ في اللفظ العام‏؟‏ فَذَهب الخَصَّافُ إلى أنه يُعْتبر قضاءً وديانةً، فإِنْ قال‏:‏ والله لا آكل طعامًا، ونوى به طعامًا دون طعام، صُدَّق عنده؛ وقال الآخرون‏:‏ يُعتبر دِيانةً لا قضاءً؛

قلت‏:‏ فإِذا اعتُبرت النِّيةُ في تخصيص العام، ينبغي أن تُعتبر في باب الوَقْف أيضًا، فلا بُدَّ أن يُسأل عن نِيئه، إلا أنه لا مُنازِع في تخصيص قوله‏:‏ واللهاِ لا آكُل طعامًا، فيعتبر بلا نِزاع ولا دفاع، بخلافه في باب الوقف، فإِنَّه إذا عَمَّ في اللفظ، ثم نوى الخاصَّ زاحمهُ مُستحقّون، ومصارفه في التخصيص، لكونِه خلافًا للمتبادر‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ‏.‏ فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين‏.‏ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 106- 108‏)‏

باب‏:‏ قَضَاءِ الوَصِيِّ دُيُونَ المَيِّتِ بِغَيرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَة

واعلم أنَّ أَوَّل مَنْ خدَم القرآنَ، وعلَّق عليه التفاسير هم النُّحاةُ؛ويقال لهم‏:‏ أصحابُ المعاني، ومنهم الزَّجاج، وهؤلاء الذين أرادَهم البغويُّ في «معالم التنزيل» من قولِه‏:‏ قال أصحابُ المعاني‏.‏ ثم جاء المحدِّثون من بعدهم، وجمعوا الآثار، والأحاديث، ولا يُظَنُّ أنَّ كُلَّ ما يُنقل عن السَّلَف في باب التفسير يكونُ مرفوعًا كيف وقد ثبت عندي كالعِيان أنَّ أكثرَها ظُنونٌ، وآراه، أذواق وجدان، وقد مَهَّدنا مِنْ قَبْل أن التفسيرَ إذا لم يُوجب تغييرًا في العقيدة الإِسلامية، وتبديلا في المسائل المتواترة، فلا بأس به‏.‏ فالزَّجَّاجُ منهم مرّ على هذه الآياتِ، وعدَّها من أشكلها حُكْمًا وإعرابًا، لأنَّ في ألفاظها نُبُوُّا، وتَعْقيدًا في المعاني، وكذا الزمخشريُّ أيضًا رجلٌ من رجال هذا الفَنَّ‏.‏ فَهِمُّه أيضًا في إزالةِ هذا التعقيد‏.‏ أما الرَّازي، فإِنَّ كان الناسُ يَزْعُمون أنه يَجُول في «الأطرافِ» لكن له لفتةٌ عندي إلى هذه الإِشكالات أيضًا، وَوَجْهُ الصعوبةِ في نَظْم القرآنِ عندي، أنه أَبْدع بين كلامِ المؤرخ‏.‏ والفَقِيه نوعًا ثالثًا‏.‏ فإِنَّ المُؤرِّخ يَسْرُد القِصَّة، ولا تكون له بالمسائل الشرعية عباية، والفقيه يرتِبُ المسائلَ، ولا تكون له إلى الوقائع عنايةً، أما القرآن‏.‏ فإِنَّه يسايرُ الواقع شيئًا عند بيانِ الأحكام، فلا يَحْكي القِصَّة مرسلا، ولا يكتفي بِذِكر الأحكام بدون إيماءٍ إلى القِصة، فلما ركَّب نوعًا من النوعين أوْرَثَ ذلك تعقيدًا لا محالة، ولا سيما عند من لم يكن شاهدًا القصة فلا يَحْصُل له من العُنوان الجملي المَشْعرِ بها شيءٌ‏.‏ والحاصل أءَنَّهم عَدُّوه مِن أَشْكَل آياتِ القرآن، ولا بأسَ أن نُشيرَ إلى بَعْضِها أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اثنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم أو آخَرَان مِنْ غَيْرِكُم ‏(‏المائدة‏:‏ 106‏)‏ والمرادُ منه الأجانبُ، أو الغيرُ في الدِّين، أي غيرِ المسلم؛ وعلى الثاني فيه إشكالٌ، كما سيأتي‏.‏

2780- قوله‏:‏ ‏(‏وليس بها مُسْلِمٍ‏)‏، أشار الراوي إلى كونه غيرَ مُسْلم‏.‏

قلت‏:‏ والمقررُ في شَرْعنا أن شهادَة الكافر على المُسْلم لا تُقبل؛ وهذه الشهادةُ كذلك، فيقال بالنَّسْخ، كما قال محمدٌ في كتاب «الآثار»، وهو مُشْكِلٌ عندي‏.‏ والأَوْجَه أن يقال‏:‏ إنها مُعتبرة في السَّفر لمكانِ الحاجة، ثُم إنْ وقع التنازعُ حتى بلغ الأَمْرُ إلى القاضي، فإِنَّه لا يسمعها، وَيُردُّها، وَيُحكُم حسب القواعد‏.‏

ولقائلٍ أن يقول‏:‏ إن المرادَ من قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏ هو الأجانبُ، وحينئذً لا يرِدش شيءٌ، وإنَّما يَرِدُ الاعتراضُ إذا فَسَّرناه بالكافر، وفيه أن الآيةَ وَرَدت في قِصَّة تميم، وكان حينئذً كافرًا؛ اللهم إلا أن يقال‏:‏ إنه كان مسلمًا، كما في قولٍ غيرِ مشهور، فإِنه ثبت أنه جاء مَكَة مرةً، وأما إذا اخترنا القولَ المشهورَ، فلا سبيل إلى الجواب، إلا ما ذكرناه‏.‏

ثُم إنَّ روايةَ الترمذي تدلُّ على خيانةِ تميم هذا‏.‏ والأَوْلى عندي إن يسِقط هذا اللفظ، ويُبَرَّأ ظهرُه مِن تلك الخيانة؛ فإِنَّه أَسْلم آخِرًا، وكان صحابيًا مخلِصًا، وكان في أَوَّلِ أَمْرِه نصرانيًا مِن الشام، وكان سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أن يَكْتُب له مِن الشام كذا وكذا‏.‏ ولم يكن فَتْحٌ بعد، فكتب له النبيُّ صلى الله عليه وسلّم فكان تميمٌ يومئذ كافرًا، ثُم لما فتح الشامَ أَعطى له ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم كَتَبه له؛ وكان هذا الكتابُ في ذُرِّيته‏.‏ والحاصل أنه رجلٌ فَهْم وَضْل، فينبغي أن لا تُحمل عليه تلك الخيانةُ‏.‏

2780- قوله‏:‏ ‏(‏مُخَوَّصًا مِن ذَهب‏)‏ دهارى دار‏.‏

2780- قوله‏:‏ ‏(‏فقام رجلانِ من أوليائِهِ‏)‏ أي أولياء السَّهْمِيُّ، ‏(‏فحلفا‏:‏ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِن شَهادَتِهِما‏)‏ فإِنْ قلت‏:‏ إن هذين كانا مُدَّعىً عليهما، ولا شهادةَ إلا على المُدَّعي، فكيف بشهادتهما‏؟‏ وأجاب عنه صاحب «المدارك» بأنهما صارا مُدَّعىً عليهما في ضمن الكلام‏.‏ وراجع له «الهِداية» لِتعلم أن المُدَّعَى عليه أيضًا قد يَنْقَلِبُ مُدَّعيًا‏.‏ والأَصْوبُ فيه ما ذكره الشاه عبد القادر، فترجمة باللبيان الحلفي، فانحلُّ الإِشكالُ بلا تَكَلُّف، لأن إطلاقَ الشهادة على مِثْ هذا البيان مما لا يُنْكَرُ عُرْفًا؛ ولا حاجةَ إلى جَعْلِهما مُدَّعىً عليهما، كما فعله صاحِبُ «المدارك»‏.‏

هذا باعتبارِ الأحكام، وأما الكلامُ باعتبار النَّظْم والتعقيد، فطويلٌ لا يَسَعُه الوَقْت، وقد ذكرناه في مذكرتنا، وفي الفقه أَنَّ الشهداءَ لا يجبرونَ على الحِلِفِ، نعم يُعْرَض عليهم، فإِنَّ فعلوا فيها، وإلا فلا جَبْر عليهم، بقي الحَلِفُ بالطَّلاقِ، فلا خلافَ فيه أن لا جَبْرَ عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فآخَرَانِ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ ‏(‏المائدة‏:‏ 107‏)‏ قيل‏:‏ المرادُ منه الأجانِبُ، وقيل‏:‏ الكُفَّار‏.‏

2780- قوله‏:‏ ‏(‏وليس بها مُسْلِمٌ‏)‏ وأشار بها الرَّاوي إلى كونِهما كافِرَين، لأنه ذَكَر للاستشهاد عُذْرًا، أي لم يكن هناك مُسْلم، فاضطر إلى شهادةِ الكافر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أحلف‏)‏ أي حَلَّف رِفَقاءه‏.‏

قوله ‏(‏أولياءه‏)‏ أي السَّهْمِيُّ‏.‏ وبالجملة قد دلَّ على قَبولِ شهادة الكافر‏.‏ وقد مرَّ معنا أنها تُعتبر لِلمُسْلِم لا عليه‏.‏ وكان تميمٌ الدَّاري لم يكن أَسْلَم بعد، إلا على قولِ غير مشهور، ثبت مجيئه بمكة،ومرَّ الإِمامُ محمد على تلك الرواية في كتاب «الآثار»، وذهب إلى نَسْخها‏.‏ قلت‏:‏ وهو مُشْكِل، فيحمل على حال الصفر، ويمكن أن تُعتبر شهادةُ الكافر على المُسْلم، عند فِقْدان مسلم‏.‏

2781- قوله‏:‏ ‏(‏أُغْرُوا بي‏)‏ سسك كىء ميرى آبروز يزى كرنيكى لىء‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏جابر‏)‏ وكانَ وَصِيًّا لوالده‏.‏ واختلف الرواةُ في عدد أخواته، قال بعضُهم‏:‏ ست؛ وقال الآخَرُ‏:‏ تِسعٌ؛ وهكذا يكون من الرواة‏.‏

كتاب‏:‏ الجِهَادِ والسِّيَر

باب‏:‏ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَر

واعلم أنَّ العِلْم الأشغال عند أبي حنيفة، ومالك؛ وعند أحمد الجهادُ أَفْضَلُها، كذا في «منهاج السنة» لابن تيمية، وفي كتاب السَّفاريني عن أحمدَ روايةٌ نَحْوَ أبي حنيفة، ومالك‏.‏ وهذا كلُّه إذا لم يكنِ الجهادُ فَرْضَ، لأن الكلام في باب الفضائل دون الفرائض‏.‏ ثمَّ إنَّ مثل المجاهدِ عندي كالاجِير الخاصِّ، احتبس أوقاتَهُ كُلَّها، فيستحق الأَجْر على شأنِهِ كلِّه، مادام في سبيل الله، وترجمته في الهندية كارى آدمى‏.‏ ثُم لا يُعلم الجهادُ عَمْلا في زَمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وإن كان في الإِنجيل على شَاكلة المسألةِ، وإليها أشار القرآن‏:‏ ‏{‏وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي التَّوْرَاةِ ؛ وَالإْنْجِيلُ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 111‏)‏، ولذا يُجاهِدُ النُّزولِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال ابن عباس‏:‏ الحُدودُ‏:‏ الطَّاعةُ‏)‏‏.‏ واعلم أنَّ المُرَادَ من الحدودِ عند الفقهاء هو العقوباتُ المعروفة؛ والمرادُ منها ههنا هي التي نهى الشَّرْع عن التجاوز عنها، وهي حدودٌ أقامها الشَّرْع عند تجانس الطرفين، كخِيار الشَّرْط، حَدَّده الشارِعُ بالثلاث من ولايته على خلاف القياس؛ وهي التي أرادها السَّرَخْسِي في عباراته‏:‏ أنَّ المقادِيرَ والحدودَ مما لا يجري فيها الِقياسُ عند إمامنا، وذلك لأنَّ نَضْبَ المقاديرِ والحدود مما لا دَخْل فيها للعقل، فاستبدَّ به الشَّرْع‏.‏ أما العقوباتُ وإن كانت هي أيضًا كذلك، إلا أن المرادَ منها في كلام السَّرْخْسِي ما ذكرناه‏.‏

2783- قوله‏:‏ ‏(‏لا هِجْرةَ بعد الفَتْح‏)‏ أي الهجرة المَعْهُودة مِن مكَّة، أما الهجرةُ العامَّة مِن دار الحَرْب إلى دار الإِسلام، فهي باقية‏.‏

2785- قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏دُلَّني على عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ‏)‏، واعلم أنَّ القائمَ والصائمَ أيضًا قد يَعْدِلُ المجاهِدَ، وهذا على الأحوال‏.‏

2875- قوله‏:‏ ‏(‏فَرِسَ المجاهِدِ ليستَنُّ ي طِوَلِهِ‏)‏ دلَّ على كفايةِ النِّيةِ الإِجماليةِ لإِحراز الأَجْر، كما مرَّ‏.‏

باب‏:‏ أَفضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفسِهِ وَمالِهِ في سَبِيلِ اللَّه

الشِّعْبُ- بالفتح- القيلةُ، و- بالكسر- كهاتى مع أَحْرِ أو غنيمة، وقد مرَّ في أوائل الكتاب‏:‏ أن «أو» تدخل بين الشيئين المتغايَرِين حقيقةً، وإن لم يتحقق بينهما مانِعةُ الجَمْع، فقد يرجع الغازي مع الأَجحر، والغنيمة معًا‏.‏ وهذا نظيرُ ما قال الميزانيون‏:‏ إنَّ النِّسب بين المفرداتِ بحسب الحَمْل، وبين القضايا بحسب الماصَدُق، وكقوله‏:‏ وهي اسمٌ، وفِعْل، وحَرْف- قيل‏:‏ والمناسب حَرْفُ «أو»؛ قلت‏:‏ إن كان المقصودُ دَرْجَها في الكلمةِ، فالأَوْلى هو الواو، وإن كان المقصودُ بيانَ التقابل فيما بينهما، فالأَوْلى هو «أو»‏.‏

باب‏:‏ الدُّعاءِ بِالجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ للِرِّجالِ وَالنِّسَاء

2288، 2789- قوله‏:‏ ‏(‏يَدْخُل على أَمِّ حَرَامِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وكانت له قرابةٌ‏.‏

2288، 2789- قوله‏:‏ ‏(‏ثَبَج هذا البحر‏)‏ اس درياكى ابرسى‏)‏‏.‏ واعلم أن الحديثَ دَلَّ على أن دعاءه صلى الله عليه وسلّم كان متناولا للشهادة الأَخْرَويَّة، فإِنَّ أم حرام لم تقتل في سبيل الله، ولكنَّها وَقَصَتها ناقتُها، فماتت؛ ونظيرُه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَلَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ ‏(‏مريم‏:‏ 15‏)‏‏.‏ مع أنه لم يمت، ولكنه قُتِل واستُشهد‏.‏

غ

باب‏:‏ دَرَجاتِ المُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّه

والسبيلُ يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ‏.‏

2790- قوله‏:‏ ‏(‏جَاهد في سبيل الله، أو جَلَس في أَرْضِه التي وُلِد فيها‏)‏ دلَّ الحديثُ على تَرْك الهجرة في زمن، كما مرَّ في «الزكاة» من قول النبيِّ صلى الله عليه وسلّم اعمل مِن وراءِ البحار»‏(‏5، وأشار إليه القرآنُ أيضًا‏:‏ ‏{‏وإنْ كان من قومٍ عَدُوِّ لكم ؛ وَهُوَ مْؤْمِنٌ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏، فدل على تمَكُّنْ المؤمنِ في دار الحرب، وتَرْك الهجرة عنها‏.‏ ودلَّ أيضًا على أن الاتكالَ فيه من فضائل الأُمور دون فرائضه، فإِنَّه ذَكَرَ الفرائِضَ في صَدْر الحديث، ثُم الاتكالَ بعدها، وقد مرَّ تقريره‏.‏

2790- قوله‏:‏ ‏(‏مَابَيْنَ الدَّرَجَتَيْن، كما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ‏)‏ وهو كما عند التِّرْمذي عن ابن عباس‏:‏ مسيرة خمس مئة عام‏.‏ وقد تهافت فيما بعضُ الرُّواة، فذكرها مسيرةَ ثلاثٍ وسبعينَ عامًا، وسقط منه ذِكْر أربع مئة، مع بعض الكسر قطعًا؛ والصواب أها مسيرةُ أَربع مئة عام، وكذا سقط من رواية الترمذي ذِكْر الماء، والكُرسيِّ، والعَرْش، والجنَّة، وليس فيها إلا بيانُ مسافةِ السموات‏.‏

2790- قوله‏:‏ ‏(‏فَوْقَهُ عَرْشُ الرحمن‏)‏ وهو سَقفُ الجنَّة، وحينئذٍ لا بأس بكونِ عَرْش الرحمن سَقفًا لجميع درجات الجنة، مع كونِ بَعْضِها أوسط، وبَعْضِها أعلى‏.‏

واعلم أن ههنا مقامين‏:‏ الأَوَّل في بيان مسافة درجات الجنة؛ والثاني في بيان حَيِّز الجنةِ‏.‏ فنقول‏:‏ إن مسافةَ الجنَّةِ مسيرةُ خمسينَ ألفَ سنةٍ‏.‏ كما يلوحُ من رواية البخاريّ‏.‏ فإِنَّ للجنَّةِ مئة درجة، وما بين كلِّ درجةٍ مسيرةُ خمسة مئة عام، فَبِضَرْبها في المئة يحصُلُ العددُ المذكور‏.‏ ويَرِدُ عليه قولُه تعالى‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ الف سنةٍ‏}‏ ‏(‏المعارج‏:‏ 4‏)‏، على تفسير؛ والناس في تفسيره مختلفون، فقيل‏:‏ إنه مدةُ يومِ الحساب، وإن كانت المحاسبةُ فيه بلحظاتٍ يسيرة، وهي كما بين الظهر والعصر، كما في رواية؛ وهذا أيضًا حسابُ العوام‏.‏ أما المقرَّبون فيحاسَبون في طَرْفَة عين‏.‏ وقيل‏:‏ بل فيه بيانُ المسافة من الأرضِ إلى الجنة‏.‏ وحينئذٍ ناقض الحديثُ ما في الآيةِ، فإِن تلك المسافة في الحديث مسافةٌ لدرجاتِ الجنَّة فقط، وبانضمام مسافةِ الأَرْض إلى السماء ومسافةِ السمواتِ فيما بينها تزيد على نحو أربعة آلاف، فلا يلتئم الحديثُ بالقرآن‏.‏

والجواب عندي أن المسافةَ في حديث البخاري هي مسافةٌ درجات الجنة فقط، وهي مسيرةُ خمسينَ ألف سنةٍ، وأما مسافة السمواتِ والأرض، فلم تتعرَّض إليها روايةُ البخاري، وذكرها الترمذيُّ‏.‏ فروايةُ الترمذيِّ تعرضت إلى مسافةِ العالم السُّفْلي فقط، أي من الأرض إلى السموات، وروايةُ البخاريّ دَلَّت على مسافةِ العالم العُلْوي فقط، وهي من السموات إلى العرش‏.‏ وعلى هذا لو ذهبنا إلى أن المذكورَ في الآية قَدْرُ المسافة دون سعةِ اليوم، فينبغي أن تكون تلك المسافة للعالم العُلوي فقط‏.‏

وإنما تَعَرَّضْتُ إلى تعيين تلك المسافةِ، لأني أجدُ شُهْرَتها بين السَّلَف أيضًا، ففي حكايةٍ‏:‏ أنَّ هارونَ الرشيد قال لمالك‏:‏ إني أريدُ أن أستفيدَ منك شيئًا؛ فلم يزل ينتظره بعد ذلك، فلم يجيء، وكذلك الرشيدُ كان ينتظرُ الإِمام مالكًا، فلم يجيء أحدُهما إلى الآخر‏.‏ فلما التقيا قال مالك‏:‏ ياأميرَ المؤمنين إنَّ القرآن نزل من مسافةِ خسمينَ ألف سنةٍ، فإِنْ لم تعظِّمه أنت أيضًا، فَمن يعظمه‏؟‏‏.‏

وأما بيَانُ حَيِّز الجنة، فقد صرَّح الحديثُ أَنْها فوق السمواتِ، فهذه بدايتُها؛ وقد جاء في روايةِ البُخاري أَنَّ عَرْش الرحمن فوقها، فهذه نهايتُها، بقيت السمواتُ السَّبْع، والأَرَضون كذلك، فهي كُلُّها حيْزٌ لجهنَّم عندي، وهو الذي سَمَّاه اللهاُ تعالى «أسَفَلَ السافلين» في سورة التين، وأَمَرَنا أن نخرج عنها مصعدين إلى الجنَّةِ مأوى أَبِينا، ومَنْ بقي فيه، ولم يَصْعَد، فقد بقي في دار الغُرْبة، وسَيَصْلى سعيرًا، فتلك العَرصةُ كُلُّها تنقلبُ حيِّزًا لجنهم‏.‏ فنحن الآن في حَيِّز جهنَّم، وقد جمع الله فيه من الجنة وجهنم أشياء، كالحجر الأسود، والمقام، والمساجد، والكعبة‏.‏ وأمثالها‏.‏ فإِنَّها كلَّها من الجنة، وسترفع إليها، وكذا الشمس، والقمر، وأمثالهما، كلها مِنْ جهنَّم، وستلقى فيها، فركَّب اللهاُ سبحانه هذا العالمَ من أشياَ بَعْضُها من الجنة، وبَعْضُها من جهنم، وإذا أراد أن تنتهي النشأةُ، وَتَظْهَرَ النشأةُ الأُخرى، يَدُكُّ هذا العالمَ دَكًا، ويذهب بالاشياءِ كلِّها إلى مقارِّها‏.‏

وبالجملة المَعْدِنُ هي الجنَّةُ، أو النَّار فقط، وأما الدُّنيا فهي مستَقرُّ إلى حين، ولذا لم يخبرنا اللهاُ سبحانه إلا بِنَسْف الجبال، وخَسْف القمر ‏{‏وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ‏}‏ ‏(‏القيامة‏:‏ 9‏)‏ ، وانفطار السمواتِ‏.‏ فهذه أحوالٌ كلُّها تعترِض على هذا العالم، وهو حيِّزُ جهنَّم، ولم يخبرنا عما هو صانعٌ بما عنده فوق السموات، وهي الجنة؛ بل ذهب المفسِّرُون إلى أنها داخلةٌ فيما استثناه الله تعالى‏:‏ فالحاصل أن المقرَّ الأصلي للإِنسان ليس إلا الجنةُ أو النار، فالجنَّةُ فوقَ السمواتِ، والسمواتِ مع الأَرَضين السَّبعةِ حَيِّزٌ لجنَّم، وهذا هو مستقرُّنا إلى حين؛ فلما يريدُ الله سبحانه أن يُعيدَ الأشياء إلى مقارِّها، يُخرب الدنيا بما فيها، ويرتبها بالاندكاك والانفطار والانشقاق، مقرًا ناسب أهلها‏.‏

ولا يحسبنَّ زائِغٌ أن جهنَّم ليست بموجودة الآن، بل هي كما أخبر بها اللهاُ سبحانه، ولكن اختلاف العالمين منعنا عن إدراكها، أما حديد البصر فيراها الآن أيضًا‏.‏ فالمعاصي هي النَّارُ بالفعل، لكنَّ ناريتها مستورةٌ عندنا، وظاهرةٌ عند حديد البصر، فالجنة مزخرفةٌ،وجهنَّم يحطم بَعْضُها أيضًا، إلا أنهما تضعفان زينةً، وعذابًا من أفعالنا؛ وتلك الأفعالُ هي الزينةُ، أو العذابُ في الحالة الراهنة، يراها الخواصُّ اليوم، وغدًا يراها العوامُ أيضًا، وكذلك الجنَّة والنار، ألا ترى أنَّ الكافر يُعَذَّب، ولا يسمعه الثَّقلان لاختلاف العالمين، فلا نعني بما حَقَّقت غيرَ هذا، ولكن مَنْ يقتحم أبوابَ الحقائق لا يجد لكشفها ألفاظًا تُوضِّحها، ومَنْ ليس له فَهْمٌ صحيح يقع في الزِّيغ، ويعزو إليّ ما لم أَوردْه، وهذا الذي وقع لأربابِ الحقائق، فلم ينتفع منهم إلا قليلٌ، فظاهِرُ الشريعةِ يبقى على طاهرِها والمسائل المسَلَّمة على مكانها، وإنما هو نحوَ بيانٍ خاطبت به، ومَنْ لا يقدر على وَضْع الأشياء في مواضعها، فليس خطابي معه، ولا أحل له أن يَقْفُو ما ليس له به عِلْم، وإنما خلق الله لكل فنِّ رجالا، ونعوذ بالله من الزِّيغ‏.‏

2790- قوله‏:‏ ‏(‏ومِنْهُ تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةُ‏)‏ وهي نهرُ الماء، ونهرُ اللَّبن، ونهر العسل، ونهر الخمر، وقال الشيخُ الأكبر‏:‏ إنها نهر الحياةِ، ونهر العِلم، ونهر الإِيمان، ونهرُ الذَّوْق‏.‏

باب‏:‏ الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَقابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّة

باب‏:‏ الحُورِ العِينِ وَصِفَتِهِن

قوله‏:‏ ‏(‏وقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُم‏)‏ واعلم أن تعيينَ الأمكنة عندهم كان بالأقواس والسَّياط، وعليه جاء الحديث؛ ومن هذا الباب قولُه صلى الله عليه وسلّم «مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّة»‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهو قولُه تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى‏}‏ ‏(‏النجم‏:‏ 9‏)‏ والقَابُ والقيد واحد؛ وما ذكراه الراوي في الباب الآتي قَيْدُه- يعني سَوْطه- فإِنَّ كان بيانًا للمراد فصوابٌ، وإن كان بيانًا للترجمة فَغَلَطٌ‏.‏ والمُفَسِّرون تأَوْلوا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَابَ قَوْسَيْنِ‏}‏ فقالوا‏:‏ معناه‏:‏ قابي قَوْسين‏.‏ والصواب عندي أنه عى ظاهِره، والمرادُ من القوسين في الطول على عاداتهم عند الهبوط في المنزل، فإِنَّهم كانوا إذا نزلوا مَنْزلا رموا بأقواسهم وسياطهم أولا، ليكون ذلك مكانَهم بعد ما نزلوا ولا يُزاحِمُهم فيه أحدٌ، وعلى هذا العُرْف جرى القرآنُ والحديث‏.‏

باب‏:‏ تَمَنِّي الشَّهَادَة

2797- قوله‏:‏ ‏(‏والذي نَفْسي بيده‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏الخ، معقولةٌ لأبي هريرة، نَبَّه عليه الترمذيُّ‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُم

فليس الشهيدُ هو المقتولَ فقط، بل مَنْ يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله، ثم يدركه الموتُ، فقد وَقَع أَجْرُه على اللهاِ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ يُنْكَبُ أَوْ يُطْعَنُ في سَبِيلِ اللَّه

باب‏:‏ مَنْ يُجرَحُ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 52‏)‏ وَالحَرْبُ سِجَال

2801- قوله‏:‏ ‏(‏أقوامًا مِن بَني سُليم‏)‏ وَهْمٌ من الراوي، فإِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان بعث القُرَّارَ، ولم يكونوا من بني سُلَيم‏.‏

2801- قوله‏:‏ ‏(‏فَقَتَلُوهم إلا رجلا أَعْرَج صَعِدَ الجَبل‏)‏ هذا هو الصوابُ، وفي المغازي عند البُخاري‏:‏ «فانطلق حَرام أخو أمَ سُلَيم، وهو رجلٌ أَعْرجُ»‏.‏‏.‏‏.‏الخ وهذا وَهْم، فإِنَّ حَرَامَ كان قُتِل، ولم يُقْتل الأَعْرجُ، بل صَعِد الجبلَ‏.‏

2801- قوله‏:‏ ‏(‏فَكُنَّا نَقْرأُ‏:‏ أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنا‏)‏‏.‏‏.‏الخ، ولما كانَ اللهاُ سبحانه تَكَفَّل لهم بإِبلاغ خَبَرِهم إلى قَوْمهم أَنْزَله في القرآن، ثُم نَسَخة بعد إيفاءِ الوَعْد، لعدم الحاجةِ إليه‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً‏}‏ ‏(‏الأحزاب‏:‏ 23‏)‏

2805- قوله‏:‏ ‏(‏غَابَ عَمِّي أَنْسُ بنُ النَّضْر عنَ قِتال بَدْر‏)‏ أي تَخَلَّف عن بَدْر، لا أنه دَخَل فيها ثم غاب‏.‏

باب‏:‏ عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ القِتَال

باب‏:‏ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَه

لَعلَّه مأخوذٌ من قوله صلى الله عليه وسلّم «كما تَحْبُونَ تموتون، وكما تموتون تُحْشَرون»‏.‏ فهذا يُشْعِرُ بأنه ينبغي أن تكون خاتمةُ المرء عَمَل خير؛ وكان السَّلف يستحبُّون أن يكون لهم عَمَلٌ صالح قبل القتال، لدلالتِه على الإِخلاص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما تقاتِلُون بأعمالِكُم‏)‏ أي إنَّ الأعمالَ الصالحةُ تُورِث ثباتَ القَدَمِ عند القتال، فالقتالُ يكون بسبب بركةِ الأعمال، فهي دخيلةٌ فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ‏}‏ ‏(‏الصفِّ‏:‏ 4‏)‏ ولعلَّ الشيطانَ يدخلُ صفوف القتال، كما يدخل صفوفَ الصلاة فيفسدها أيضًا، ولذا أمرنا بالتراصِّ في الصفوف أيضًا‏.‏

باب‏:‏ مَنْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليا

أعرض عن التفصيلِ المتعذِّر، وعَدَل إلى الجواب الجُمْلي، فقال‏:‏ مَن قاتل للإِعلاه كلمةِ الله، فهو في سبيل الله‏.‏

حكاية‏:‏

نُقِل أن تيمور لئك لمَّا رحل إلى الشام، وقتل الناس، وسفك دِماءهم ظُلْمًا وعُلوًا، بنى من هاماتهم صُفَّةً وقعد عليها، ثم دَعى العلماء، فكان يُناظِرُهم ويقُتُل مَنْ خالفه منهم؛ فسألهم مرةً أنه كيف صنع في قتلهم‏؟‏ فأجاب عالمٌ منهم‏:‏ إنَّ جوابَه في الحديث، وقرأ هذا الحديث‏:‏ «مَنْ قاتل لتكونَ كلمةُ اللهاِ»،‏.‏‏.‏‏.‏الخ، فتفطنَّ تميور أنه أراد به تَخْلِيص رَقَبتَه، فأغمض عنه‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في سَبِيلِ اللَّه

حمل المصنِّف قوله‏:‏ «في سبيل الله» على الجهاد، ولذا فَسَّره أبو يوسف ومحمد في «باب الزكاة» بمنقطِع الغزاة‏.‏

قلت‏:‏ والظاهر أنه عالمٌ لجميع سُبُل الخيرِ، كما يدلُّ عليه ما أخرجه الترمذيُّ في «باب من أغبرت قدماه في سبيل الله» عن يزيد بن أبي مَرْيم، قال‏:‏ لِحَقَني عبايةُ بن رِفاعة بن رافع، وأنا ماشٍ إلى الجُمعة، فقال‏:‏ أَبْشِر، فإِنَّ خُطاك هذه في سبيل الله؛ سمعت أبا عيش يقول‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم «مَنِ اغبرت قَدَماه في سبيلِ الله، فهما حَرَامٌ عى النَّار» اه‏.‏ فهذا صريحٌ أن هذا اللفظ كان عامَّا عند الصحابَيَّنِ المذكورَين، ولذا حملاه على المَشْي إلى الجُمعة أيضًا، إلا أن الترمذيَّ أخرجه من «باب الجهاد» فَيوه2 أنه أَخَذَه في الجهاد، كالمصنِّف، فله إطلاقانِ‏:‏ عامٌ، وخاصٌ، والذي يناسِب في نحو هذا الحديث هو الإِطلاقُ العام، ولعل المصنِّف حمل على أنه اشتُهر في الجهاد عُرْفًا‏.‏

حكاية‏:‏ ‏(‏ماذا كان يفعلٍ بايزيدخان بعد الفراغ من غزوة

نُقِل أن السُّلْطان بَايزِيدخان يلدرن غزا ثئنتين وسبعين غزوةً، كلّها على أوروبا، وكان يَلْبَس في كلَّها قباءً واحدًا، ولا يبدّلُه، وكان إذا أفرغ منها يجمع ما وقع عليها من الغُبار في حقه، فإِذا أشرف على الموت، أوصى النَّاس، أن يدفنوها في قبره‏.‏

باب‏:‏ مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ النَّاسِ في السَّبِيل

باب‏:‏ الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالغُبَار

2812- قوله‏:‏ ‏(‏وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُه عَمَّار، تَقْتُلُه الفِئةُ الباغيةُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وقد مرَّ شَرْحه، وهذه جملةٌ موجودةٌ عد البخاريِّ، ثُم أنكارها الحافظ، فيما مرَّ‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون‏.‏ فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏.‏ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 169- 171‏)‏

واعلم أنه قد تكلمنا مرَّةً في معنى حياة الشهداء والأنبياء عليهم السلام؛ وحاصله‏:‏ أن الحياة بمعنى أفعالِ الحياة، وإلا فالأرواحُ كلَّها حياةٌ، ولو كانت أرواحَ الكفار؛ ولكنها معطلةٌ أن الحياة بمعنى أفعالِ الحياة، وإلا فالأرواحُ كلُّها أحياءٌ، ولو كانت أرواحَ الكفار؛ ولكنها معطلةٌ عن أفعال الحياة‏.‏ ولذا ترى القرآنَ والحديث لا يذكُر ان الحياة إلا ويذكران معه فعلا من أفعال الحياةِ أيضًا، كما رأيت في الآية المذكورة حيث قال‏:‏ ‏{‏بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 69‏)‏ فَذَكَر كونَهم مَرْزُوقين، وهي من أفعالِ فأُوْلى أن يُسمّوا بالأحياء بخلاف غيرهم، وفي الحديث أَنَّهم يدخلون الجنَّة في حواصل طيرٍ خُضْرٍ، ولفظ «الموطأ» يقتضي أن هؤلاء مُشبِّهون بالطَّيحرِ الخُضْر، إلا أن الطَيْرَ الخُضْر ظرفٌ لهم، ثم عند مالك في «موطئه» في باب الشهيد «إنما نَسْمَةُ المؤمنِ طيرٌ يعلَّقُ في الجَنَّة»‏.‏ اه‏.‏ وهذا بدلُّ على كونِه صفةً لعامَّة المؤمنين غيرِ الشهداءِ أيضًا‏.‏

قلت‏:‏ أما الشهداءُ فقد جاءت تلك الصِّفةُ في صِنْفِهم لِعَمِلهم؛ وأما غيرُهم فعلعه يكون فيهم أيضًا مَنْ يكون على صِفَتهم، ثُم هذا أبدانُ مِثاليةٌ لهم، لا أنهم أرواحُ مجردةُ، ولعله عَجَّلَ لهم ارزاقَهُم قبل الحَشْر، وأما سائر الناس فقد أخَرَّ انتفاعُهم بها إلى يوم القيامة‏.‏

واعلم أن الحديثَ أَسْنَد الأَكْلَ والشُّرْب إلى النَّسمة دون البدن والجسد، فإِنَّه في التراب، فدلَّ على أن النَّسمة غيرُ الجسد، وكذلك غيرُ الرُوح، لأن الروح لا يُسْند إليها الأكلُ والشُّرْب، ما لم تتصل بجسدٍ مادي، أو مِثالي؛ ولذا لم يقل‏:‏ إنَّ أرواحَ المؤمن طير‏.‏‏.‏‏.‏الخ، ولكن قال‏:‏ نَسْمة المؤمن‏.‏

والحاصل أن مَحَطَّ الآية بيانُ كَوْنهم أحياءً فقط، ونبَّهت على أن المحط فيها قوله‏:‏ ‏{‏يُرْزَقُونَ‏}‏ لا كونهم أحياءً فقط، فإِنَّ حياة الأرواح معلومةٌ، وعليها جرى الحديث، فقال‏:‏ يعلق في الجنة، وكذا الأنبياء أحياء في قُبورهم يصلُّون، فتعرَّض إلى آثارِ الحياةِ من العَلَق، والصلاة، وراجع «شرْح الصدور، لأفعال الموْتى والقبور»‏.‏ فقد ورد فيه حَجُّهم، وتلاواتُهم، وصلاتُهم، وغيرها‏.‏ أما الحجُّ والصلاة، فقد وَرد في الانبياء عليهم السلام‏:‏ وأما التلاوةُ ففي غيرهم أيضًا، فإِذن المَحطُّ في كلِّها بيانُ هذه الأفعال، لا بيانُ نَفْس الحياة، وحينئذٍ عَلِمت حياتِهم ما هي أعني أنهم يفعلون أفعالَ الحيِّ، وليسوا بمعطلين‏.‏ وإلى هذا المعنى أرشدَ القرآن بقوله‏:‏ ‏{‏يُرْزَقُونَ‏}‏ والحديثُ بقوله‏:‏«يصلون»‏.‏

ليتعيَّن المرادُ من الحياة، ولتتميزَ حياتُهم عن حياة سائر الناس‏.‏

باب‏:‏ ظِلِّ المَلائِكَةِ عَلَى الشَّهِيد

باب‏:‏ تَمَنِّي المُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا

قوله ‏(‏تُظلِّهُ الملائكةُ‏)‏ ، ولعل في هذا الإِظلال إجلالا للبيت‏.‏

باب‏:‏ الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوف

2818- قوله‏:‏ ‏(‏وكانَ كاتِبَه‏)‏ وقد سها الحافظ هناك في ارجاع الضمير‏.‏ وراجع «حاشية» لمُلاّ محمد يعقوب البمباني، والبمبان‏:‏ محلة من بلدة لاهُور‏.‏

باب‏:‏ مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلجِهَاد

2819- قوله‏:‏ ‏(‏فقال له صاحِبُه‏:‏ قل‏:‏ إن شاء الله‏)‏ قيل‏:‏ إنَّ آصف لَفَّته بهذا القولِ، ولكنه نَسِي، فلم يتكلَّم، فلم تلد منهن غيرُ امرأةٍ، وَلَدَتْ سَقِطًا أُلْقي على كُرسيِّه‏.‏ والقَصَص المذكورة في التفاسير كُلُّها موضوعةٌ، إنْ هذا إلا اختلاقٌ‏.‏

باب‏:‏ الشَّجَاعَةِ في الحَرْبِ وَالجُبْن

باب‏:‏ ما يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْن

2821- قوله‏:‏ ‏(‏الأَعْرَابُ يسألُونَه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، والأعرابُ يقال لغةً لساكِني الباديةِ منهم‏.‏

باب‏:‏ مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ في الحَرْب

باب‏:‏ وُجُوبِ النَّفِيرِ، وَما يَجِبُ مِنَ الجهَادِ وَالنِّيَّة

قلت‏:‏ وذلك أَمْرُ يختلِف باختلاف النِّيات؛ فإِنْ كانت نِيْتُه المراآةَ والإِسماعَ، سَمَّع الله به، وراءى به، وإن كانت نِيتُه الإِخلاصَ ومرضاة اللهاِ، فله الحُسْنى وزيادةُ‏.‏

باب‏:‏ الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ، ثُمَّ يُسْلِمُ، فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَل

باب‏:‏ مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلَى الصَّوْم

باب‏:‏ الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْل

والضابطة فيه أن القاتِل لا يجتمعُ مع المقتول، فإِنْ ذهب أحدُهما إلى الجنة يدهبُ الآخَرُ إلى النَّار؛ ولا بُعْد أن يكون ابنُ عباس قال بتخليد قائلِ المؤمن نظرًا إلى هذهالقاعدة؛ لأن مقتولَة المُسْلم لما ذهب إلى الجنةِ يجب أن لا يجتمع معه قاتِلُه في الجنة، فَلزِم الخلودُ لا محالة؛ ولكنَّ الله قد يرى عجائبَ قدرتِه في الخَلْق، فيجمع بينهما في الجنة، بأن يُوفِّق هذا الكافرَ للإِسلام، بعد قَتْل المُسْلم، ثُمَّ يَمُنَّ عليه بالشهادةِ في سبيله، فيدخل القاتلُ والمقتولُ في الجنَّة؛ ولذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «يَضْكَكُ الله إلى رجلين؛ وذلك لدخولهما في الجنَّةِ معًا، وكذلك الإِنسان إذا ظفر بمنينة على خِلاف الضابطة، يضحك منه تعجبًا لا محالة‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله ‏{‏غفورا رحيما‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 95، 96‏]‏

باب‏:‏ الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَال

باب‏:‏ التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَال

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا *** عَلَى الجِهَادِ ما بَقِينَا أَبَدَا

باب‏:‏ حَفرِ الخَنْدَق

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا *** عَلَى الإِسْلامِ ما بَقِينَا أَبَدا

باب‏:‏ مَنْ حَبَسَهُ العُذْرُ عَنِ الغَزْو

2834- قوله‏:‏ ‏(‏نَحْنُ الذين بايَعُوا محمدًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ كانوا يَرتَجزُون بها عند حَفْر الخندق، كما يدندن أحدُكم عند الشغل في عملٍ، لئلا يسأمَ منه، فإِنَّ الإِنسانَ إذا اشتغل في مَشَقَّة، وجعل نَفْسه في زَمْزَمةٍ لا يتعب، لأنه بِشُغْله في زمزمته لا يَحُسُّ ما يَلْحَقُه من التعب في عمله‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ الصَّوْمِ في سَبِيلِ اللَّه

باب‏:‏ فَضْلِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّه

قد مرَّ أنَّ البخاريَّ، وتلميذةَ الترمذي حملاءه على الجهاد لِشُيوع هذا اللفظ في الجهادِ والأَوْلى عندي أن يُتْرك على عمومِهِ، ويكونَ الجهادُ فرْدًا منه‏:‏ فالصومُ في سبيل الله مطلقًا يوجِبُ الوَعْد والأجْر، وإن تفاوت أَجْرًا وأَجْرٌ، بحسب المشاق؛ فإِنَّ العطايا على متن البلايا، أو على قَدْر البلايا‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَير

واعلم أنَّ الفِعْل قد يحصُل من واحد، وقد يُحصل من جماعةٍ، فإذا كان يحصُل من الجماعة يحصُل لكلِّ منهم أجرٌ كفاعِله، سواء كان فَعَله بنفسِه، أو أعان عليه بِنَوْعٍ، كالجهاد، فإِنه لا يَحْصُل إلا من جماعةٍ تَغْزُو، وكذا لا بد له ممَّن يُعيِن عليه، ويقوم على الغازين، فالمُعِين له، والقائمُ عليه كُلَّهم كالغزاةِ في سبيل الله‏.‏ ونظيرُه القراءةُ، فإِنَّها فِعْلٌ واحِدٌ، ولا تتِمُّ القراءةُ من الإِمام إلا باستماع المُقْتدي، فالقراءة فِعل واحِدٌ، وحظُّ الإِمام منها نَفْسُ القراءةِ، وحَظُّ المُقتدى الاستماع إليها دون المنازعة معه؛ وحينئذٍ لا نقولُ‏:‏ إن صلاةَ المُقتدي تَتِمُّ بدون القراءة، ولكنَّا نقولُ‏:‏ إن عليه قراءةً أيضًا، ولكنَّ حظَّه منها الإِنصاتُ فقط؛ فالقراءةُ فِعْلٌ واحِدُ يتقوَّمُ حقيقتُها من قراءةِ الإِمام، واستماع المُقْتدي؛ إما إذا كانت قراءتُه في نفسه، أي لامع الجماعة فلا كلام فيه، وكذلك الخطبة لا تتأتى إلا باستماع المُقْتدي؛ ولذا قال‏:‏ «مَنْ مَسَّ الحصى فقد لغا‏.‏

فالحاصل أنَّ باشر القِتال، ومَنح أعان عليه بنوعٍ، كلُّهم مشترِكون في الجهاد، وإن اختلفوا في الأجْر زيادةً ونُقْصانًا تَفاوُتِ مراتب الخلوص، وسماحةِ الأَنْفُس، وصَرْف الأموال، وَبذْل المهج‏.‏

فائدة‏:‏ ‏(‏في خلق أَفعال العباد‏)‏

واعلم أنَّ العبادَ وأفعالَهم كُلُّهم مخلوقون لله تعالى‏:‏ لا كما زعم المعتزلة؛ إنَّ العبادَ خالِقون لأفعالهم، كيف وأَنَّه لا بد للخالق أن يكونَ مُطَّلِعًا عنلى مخلوقة من جميع الوُجوه والجِهات، فإِنَّ الخَلْقَ لا يتأتى إلا بالعلم المحيط بالمخلوق‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏‏(‏المُلك‏:‏ 14‏)‏ فستشهد على خَلْقه بِعِلمه، فإِنَّ الخالق لا يكون إلا عالمًا بما خَلَقه، والعبدَ لا عِلْم له بمبادىء أَفعاله، فكيف يكون خالقًا لها، ومنه ظهر الفَرْق بين الخَلْق والكَسْب؛ فإِنَّ المكسوبَ يتَّصِلُ بكاسبه، ولا يُشْرط في الكاسب أن يكونَ عنده عِلْمٌ بالمبادىء أيضًا، بخلاف المخلوق، فإِنَّه ينفصل عن خالِقه ويُشترط فيه أن يكون عند خالِقِهِ عِلْمُهُ التام‏.‏

وما قال الدوَّاني‏:‏ إنَّ فِعْل العبد يتأَتى من مجموع القُدْرتَين‏:‏ قُدرة العَبْد وقدرة الله‏.‏ فليس بشيء؛ فإِنَّ ذلك إنما يصِحُّ لوكانت للعبدِ قدرةٌ في نفسه، فإذا لم يكنِ لِقُدْرته تَقَوُّمٌ بدون القدرة الإِلهية لم يَحْصُل مجموعُ القدرتين، لانتفاء أحد جزئيه‏.‏ أَلا ترى أَنَّ العبد ليس له وجودٌ في نَفْسه، أي مع قَطْع النَّظر عن إيجادِ خالقه، فإِذا لم يستقلَّ في وُجُوده لم يستقلَّ في سائر صفاته، فكلُّ صفةٍ تفرض تكون تلك أيضًا تحت القدرةِ، وعلى هذا فقُدرتُه أيضًا تحت قُدْرتِه تعالى، ويجري الكلامُ فيها أيضًا بِمِثْله، فيتسلسل‏.‏

باب‏:‏ التَّحَنُّطِ عَنْدَ القِتَال

باب‏:‏ فَضْلِ الطَّلِيعَة

كان من دأبِ السَّلف أنهم إذا تهيأوا للقتال حُنِّطوا‏.‏ مخافة أن تتغير أجسادُهم بعد القتل، لأنَّ الأوانَ أوانُ الحرب، وقد يتأخَّر فيه الدَّفْنُ، وكان أهلُ مِصْر يَطْلون أجسادَهم ببعض الأدوية، فلم تكن تَفْسُد أجسادُهم إلى مدة طويلةٍ، حتى وُجدت أجسادُ بَعْضِهم بعد قرون، كما دُفِنت‏:‏ ثم فُقدت تلك الأدوية، وبقي استعمال الحَنُوط‏.‏

2845- قوله‏:‏ ‏(‏قد حَسَرَ عن فخذِيْه‏)‏ الأحُجَّة فيه على عَدم كَوْنِ الفَخِذ عورةً، لكونه فِعْل صحابيَ في محلًّ مُخْتَلَفٍ فيه‏.‏

2845- قوله‏:‏ ‏(‏انكِشَافًا مِن النَّاس‏)‏ أي نوع انهزام، لأنَّ الناس إذا تَرَكْوا مواضِعَهم وتفرَّقُوا، حَصَل الانكشافُ لا محالة‏.‏

2845- قوله‏:‏ ‏(‏هكذا عَنْ وُجُوهِنا‏)‏أي خلوا وقومُوا عنَّا لِنُضارب القَوْمَ‏.‏

واعلم أن ثابت بنَ قَيس هذا كان خطيب النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قُتِل يوم اليمامةِ؛ وكانت دِرْعُه سُرِقت فنساها أحدٌ منهم تحت وَبَرِ الإِبل، فرآه أحدٌ في المنام يقول‏:‏ أن بَلِّغ أبا بكرٍ مني السَّلام، وقل له‏:‏ إنه لا يكون لكم عُذْرٌ عند الله ورسولِه أنْ وُجِد منكم خُشوعٌ في الحرب، وأن دِرْعه في مَوْضع فلان، فأخرجه‏.‏ ذكره مُسْلمٌ مَبسوطًا‏.‏

باب‏:‏ سَفَرِ الاثْنَين

ترجم بجواز سَفَرَ الرجُلين، ونَظرُه إلى ما رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنَّ الواحد شيطان، والاثنين شيطانانِ، والثلاثةُ رَكْبٌ وحاصل المقام أن الشَّرْع لا يَتْرك النُّصْح في كلِّ موضع، فَيُعلِّم ما هو الأَنْسب للنَّاس، والأَوْلى يحالهم، مع عِلْمه أن الناس قد لا يأتون به للعجز عنه في بعض الأحوال، كما في الحديث المذكور، فإِنَّ الرفاقة قد تعوز، ويضطر الإِنسانُ إلى السَّفر منفردًا، فيجيزُه الشَّرْع لا محالة، مع بيان الضَّررِ فيه‏.‏ وهذا كما نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عن كَسْب الحِجامة، ثم لا بد للناس من احتجام؛ وكالعِرافة نَهى عنها، ثم قال‏:‏ ولا بدَّ لهم من العرافة‏.‏ فيحتاجُ النَّاسُ إلى أمورٍ بحسب حوائجهم، يكون فيهم لهم ضررٌ، فيأتي الشَّرْعُ، ويخبرهم بما فيه من الضرر، وَيَدُلَّهم على ما هو الأَنْفَعُ لهم، مع عِلْمه أن النَّاس لا مناص لهم من الاقتحام فيه تكوينًا؛ ويجتمع في مثل هذه المواضع النهيُّ مع بيانِ الجواز، وكلاهما مَعْقُولٌ، كما عرفت‏.‏

باب‏:‏ الخَيلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة

وهذا لكونه آلةً للجهاد، فهو إشارةٌ إلى أن الجهادَ ماضٍ إلى يومِ القيامة‏.‏

باب‏:‏ الجِهَادُ ماضٍ مَعَ البَرِّ وَالفَاجِر

باب‏:‏ مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا

فيه إيماءٌ إلى أَصْلٍ عظيمٍ، وهو أَنَّ الأمور التي تتقوَّمُ من الجماعةِ لا يُنْظر فيها إلى الأحوال الأفراد خاصَّةَ لا تخلو عن بَرِّ وفاجر دائمًا، ويتعذَّرُ وجودُ جماعةٍ لا يكون فيها إلا الخيار؛ فلو توقف الأمر على تَلَّوُّم مِثْل تلك الجماعة لأدَّى إلى تعطيل أكثرِ أعمال الخير، وقد سار في المثل السائر‏:‏ ما لاُ يُدركُ كُلُّه، لا يترك كُلُّه‏.‏ فلما كان «الجهادُ ماضٍ إلى يومِ القيامة»، وهوأَمْرُ جماعةٍ، ومعلوم أنَّ خيرَ الأئمة لا يتيسر دائمًا، فإِما أن يتعطَّل الجهادُ، أو يبقى مع كل بَرَ وفاجر؛ فَنَّه على أن لا تمتنعوا عن الجهادِ بفُجُور الأئمة، فإِنَّ الله تعالى قد يُؤيِّد دِينَه بالرُّجُل الفاجر أيضًا‏.‏ فإِنَّ في تَفَحُّص أحوال الناس، والتأخُّر عن فاجرهم تأخرًا عن الخيرِ المحْض، وهو الجهاد، وذلك قد يؤدِّي إلى انعدامه، فإِطاعةُ فاجرٍ أَوْلى من إعدام خَيْرٍ، والتطوُّق بالذُّلّ أَبَدَ الدَّهْرِ‏.‏

وقد مرَّ في العِلْم‏:‏ أن الطائفةَ التي تبقى ظاهرةً على الحقِّ إلى يوم القيامة، هي طائفةُ المجاهدين، حتى يَنْزِلَ المسيحُ ابنُ مريم، فيجاهد في سبيلِ الله، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجَاعِلُ الديَن اتَّبعُوك فَوْقَ الذين كَفَرُوا إلى يوم القيامةِ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 55‏)‏ وراجع تفصيله في رسالتي «عقيدة الإِسلام، في حياة عيس عليه الصلاة والسلام»‏.‏

باب‏:‏ اسْمِ الفَرَسِ وَالحِمَار

فذكر فيه فَرس أبي قتادة أي الجرادة، واسم فَرَس النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وهو اللَّخِيف- واسم حِمارِه- وهو عُفَير‏(‏2

ه2‏)‏ وفي «السِّير» أن هذا العُفَير ألقى نفسه في حفرةٍ بعد وفاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ومات‏.‏

2855- قوله‏:‏ ‏(‏كان النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في حائطنا فرسٌ‏)‏ أي كان يربى ويَرْبِطُ في حائطنا‏.‏ واعلم أن التاء في أسماء الذكور كثيرةٌ في لسان العرب، لكونها منقولةً، كطحلةَ، فإِنَّها كانت اسمًا لشجرةٍ ذاتِ شَوْك، ثُم سُمِّي بها رجلٌ من الصحابة، وبقيت التاي فيه على الأصل؛ فقالوا‏:‏ بأنه غيرُ مُنْصرِف للتاء والعَلَمية‏.‏

باب‏:‏ ما يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَس

2858- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّما الشُّؤمُ في ثَلاثةٍ‏)‏ واعلم أنَّ الأحاديثَ في الشُّؤم قد تَرِد بلفظ الخير، كما في الحديث المذكور؛ وقد ترِد بلفظ الشِّرْط، هكذا لو كان الشُّؤمُ لكان في ثلاثةٍ، فما لم يتعيَّن اللفظُ لم يَثْبت الشُّؤمُ عند الشَّرع، ثُم المرادُ من الشؤم، عند العماء هو عدمُ ملاءتها؛ وإنما خصَّصها بالذكر لأهميتها، ولكنها أكثرَ معاملةِ الرَّجل بها‏.‏ ثُم لا بد من تسليمِ خصائص شِيَاتِ الفَرَس، لما في «جامع التَّرْمذي» أن فَرَس كذا في شِيَةُ كذا، يكون كذا، وفَرَس كذا فيه شِيَةُ كذا، يكون كذا‏.‏ وهذا كلُّه يُعْلم من التجربة، كما اشتهر عند أهل العُرْف‏:‏ كُلّ طويلٍ أحمق‏.‏ فتلك الفُروقُ باقيةٌ في الأحاديث‏.‏ أما النحوسةُ التي هي عند أهل الجاهلية، فقد وضعها الشَّرْعُ تحت قَدَمهِ‏.‏

باب‏:‏ الخَيلُ لِثَلاثَة

باب‏:‏ مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيرِهِ في الغَزْو

وقد كُنت تَمسَّكْت بالحديثِ على وُجوبِ الزَّكاة على الفَرَس أيضًا أيضًا‏.‏

2861- قوله‏:‏ ‏(‏جَمَلٍ ‏(‏لي‏)‏ أَرْمَكَ‏)‏ خاستر أونت‏.‏

2861- قوله‏:‏ ‏(‏لَيْس فيه شِيْةٌ‏)‏ أي بُقْعةٌ خلاف لَوْنِها‏.‏

2861- قوله‏:‏ ‏(‏وعَقَلْتُ البعير في ناحِيةِ البلاطِ‏)‏ وهذا صريحٌ في أنَّه لم يَعْقِلها في متن المسجد، ولكنها كانت في ناحية البلاط؛ فلا عبرةَ بإِبهامِ الرُّواةِ، لأنه شاع عنده التعبيرُ عن المكان القريبِ بذلك المكانِ بعينه‏.‏

باب‏:‏ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ وَالفُحُولَةِ مِنَ الخَيل

- قوله‏:‏ ‏(‏وقال راشِدُ بنُ سَعْد‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهو راوٍ من رُواةِ الشَّام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لأنها أَجْرَى‏)‏ ، وقد اشتهر في العُرْف أن الفَرَس أَجْرَى الحيواناتِ، وأَشْجَعُها، وأفرسها؛ ولذا سُمِّي فَرَسًا، لِشِدَّة فِرَاستِه في الحرب‏.‏

باب‏:‏ سِهَامِ الفَرَس

باب‏:‏ مَنْ قادَ دَابَّةَ غَيرِهِ في الحَرْب

البِرْذَون ما يكونُ أحدُ أبويه عَجمِيًا‏.‏

2863- قوله‏:‏ ‏(‏جَعَل لِلفَرس سَهْمين‏)‏ وعند أبي داود، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم أَسْهم لرجلٍ، لِفَرسِه ثلاثةً أسهم‏:‏ سهمًا له، وسَهْمَينِ لِفَرسه‏.‏ اه‏.‏ فسقط ما ذكروه من التأويل، ولنا ما عند أبي داود‏:‏ في حديث قِسْمة خبيرَ أَهْل الحُدَيبية‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قَسَمها على ثمانية عشر سَهْمًا؛ وكان الجيش الفًا وأربع مئة، فيهم ثلاث مئة فارس؛ فأعطى الفارِسَ سَهْمين، والراجل سَهْمًا‏.‏

فإِنَّ قلت‏:‏ إنَّ الجيش ما في «البخاري» في المغازي إلفًا وأربع مئة، أو أكثر؛ وحينئذٍ لا يستقيم الحديثُ على مذهب الحنفية‏.‏ قلت‏:‏ وفيه مِثْل ما عند أبي داود أيضًا؛ فلا بُدَّ من تسليم العَدَدَيْن؛ ويقال‏:‏ إن في أحد الطُّرق بيان عددِ المقاتلةِ، وفي الأخرى بيان عدد المجموع‏.‏

وأما حديثُ ثلاثة أَسهم- كما عند أبي داود- فمحمولٌ على التنفيل عندنا، وهو إلى رأى الإِمام، وذلك لأنَّ الجِهاد محلُّ التحريض، فورد فيه التنفيلُ بالسَّلب، والثلث، والرابع، إلى غير ذلك؛ فلما ثبت هذا النوعُ في هذا الباب لم يبق في حَمْله على النَّفْل بُعْدٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لِتَرْكَبُوها وزِيَنة‏)‏ فالركوبُ من مقاصِدها الأصلية، والزينةُ من أَوْصافها الخارجية التابعة، ولذا ذكرها بالعطف‏.‏ من ههنا عُلِم أن لا حُجَّةَ للشافعيةِ في قول عمر؛ أن رَفْع اليدين زينةٌ للصلاة‏.‏ لأنَّ لفظ الزينةُ يُنبىء عن كونِها معنىً زائدًا‏.‏ والمصنِّف كَرَّرَه، وطحنه في جزء «رَفْع اليدين»؛ فطنَّ أنَّ قوله حجةٌ له، مع أن كونه للزينةِ يدلُّ على خِفَّة أَمْره، وأنه ليس مقصودًا لِذاتِه‏.‏

باب‏:‏ الرِّكابِ وَالغَرْزِ للدَّابَّة

باب‏:‏ رُكُوبِ الفَرَسِ العُرْي

باب‏:‏ الفَرَسِ القَطُوف

الرِّكاب من الحديد، والخشب، والعَزْر لا يكون إلا من الجِلْد‏.‏

باب‏:‏ السَّبْقِ بَينَ الخَيل

باب‏:‏ إِضْمارِ الخَيلِ للِسَّبْق

باب‏:‏ غايَةِ السَّبْقِ لِلخَيلِ المُضَمَّرَة

ويجوز فيه الاشتراطُ مِن طَرفٍ واحد، ولا يجوز من طَرَفين‏.‏

باب‏:‏ نَاقَةِ النبي صلى الله عليه وسلّم

اختلف أهلُ السِّيرَ في أن القَصواء، والجَدْعَاء، والعَضْبَاء، كانت ثلاثَ نُوقٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم أوكلها أسماءُ لناقةٍ واحدةٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ماخَلأت‏)‏ أي ما طغت‏.‏

2872- قوله‏:‏ ‏(‏قَعُود‏)‏ هو الإِبل القَوي ابنِ ثلاثِ، أَرْبعِ سنين‏.‏

باب‏:‏ الغَزْوِ عَلَى الحَمِير

باب‏:‏ بَغْلَةِ النبي صلى الله عليه وسلّم البَيضَاء

باب‏:‏ جِهَادِ النِّسَاء

- قوله‏:‏ ‏(‏أَهُدَى مَلِكُ أَيْلَةَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم بَغْلَةَ بَيْضَاءَ‏)‏ وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وَهَبها عليًا؛ وهي التي يُقال لها‏:‏ الدُّلْدِّل‏.‏

2874- قوله‏:‏ ‏(‏لا والله ما ولى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم جواب على أسلوبٍ الحكيم، فإِنَّ العبرة بالإِمام‏:‏ وإذا ثبت النبيّ صلى الله عليه وسلّم على مكانه لم يتزحْزَح عنه قَيْدَ شِبْر، بل لم يَزَل يُركِض بَغْلَتَه أمامَهم، فكيف يصح الإِلزامُ بالتولِّي وفي كتب السِّيَر أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كلما كان يريدُ أن يأخُذَ قبضةً من تراب، كانت بَغْلَتَه تهوي نحو أَرْض حتى يأخذها، فيضرِبُها في وُجُوهِهم؛ فلم تَبْق منهم نَفْسٌ واحدة إلا وقعت في عينيها، فانهزموا، وتولّوا مُدْبِرين‏.‏

باب‏:‏ غَزْوِ المَرْأَةِ في البَحْر

باب‏:‏ حَمْلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ في الغَزْوِ دُونَ بَعْضِ نِسَائِه

باب‏:‏ غَزْوِ النِّسَاءِ وَقِتَالِهِنَّ مَعَ الرِّجال

2877، 2878- قوله‏:‏ ‏(‏فَتَزَوَّجَت عُبادة بَن الصَّامِت‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، قيل‏:‏ إنها كانت في نِكَاحِه مِنْ قَبْل، فما معنى قوله‏:‏ فتزوجت‏؟‏ قال الحافظ‏:‏ بتقدير الطلاق، أي طَلَّقها، ثُم تَزوَّجها، قلت‏:‏ لا حاجةَ إليه، بل هو بيانٌ للنِّكاح الماضي، لا أنَّها تزوَّجت الآن؛ على أنه لا عِبرة باللفظ، فإِنَّ الرواةَ يَخْبِطُون فيها كثيرًا‏.‏

باب‏:‏ حَمْلِ النِّسَاءِ القِرَبَ إِلَى النَّاسِ في الغَزْو

باب‏:‏ مُداواةِ النِّساءِ الجَرْحَى في الغَزْو

باب‏:‏ رَدِّ النِّسَاءِ الجَرْحى وَالقَتْلَى

باب‏:‏ نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ البَدَن

- قوله‏:‏ ‏(‏قال أو عبد‏:‏ تَزْفِرُ‏:‏ تخِيطُ‏)‏ وهو سَهْوٌ؛ ولم يَثْبُت في اللغة معناه الخياطة؛ فالصواب أنَّ معناه تَحْمِل‏.‏

باب‏:‏ الحِرَاسَةِ في الغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّه

2885- قوله‏:‏ ‏(‏لَيْتَ رَجُلا صالِحًا مِن أَصْحعابي يَحْرُسُني اللَّيلة‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وذلك قبل أن يَنْزِل قولُه تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 67‏)‏‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ الخِدْمَةِ في الغَزْو

باب‏:‏ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ في السَّفَر

2890- قوله‏:‏ ‏(‏امْتَهِنُوا‏)‏ أي بُلُوا من الخدمة، كما يَبْلى الثوبُ من الاستعمال‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّه

باب‏:‏ مَنْ غَزَا بِصَبِيّ لِلخِدْمَة

باب‏:‏ رُكُوبِ البَحْر

وإنما جعل الراط في المَرْتبة الثانيةِ من الجهاد، لأنَّ الرِّباط لا يكون من واحدٍ، بل يكون من التناوبُ، فانحط منه منزلةً، وترجمته جوكى دينا‏.‏